محمد عبد الله دراز
145
دستور الأخلاق في القرآن
إلى التماس القيم الرّوحية ، وكيفية توجيهه بصفة عامة . فضلا عن عدد هذه الأوامر . قال تعالى : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ « 1 » . وقال : وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ « 2 » . وقال : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 3 » . وإنّه ليشهدنا كذلك على المبدأ الأساسي الّذي صدرت عنه الشّريعة الإلهية كلها ، حين صاغه فقال : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ « 4 » . وقال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ « 5 » . وهكذا ، فإنّ ما كنّا نعتقد أنّه الحلقة الأخيرة في سلسلة المراجع ، لم يثبت أنّه الأخير . فالعقل الإلهي ، في هذا المجال ، أكثر تشددا من العقل الإنساني . فهو لا يريد أن يتمسك بشكل حكمه ، ويجعل منه المبدأ الأوّل للإلزام الأخلاقي ، وإنّما هو يلجأ بدروه إلى معيار آخر فيحيلنا إلى جوهر الواجب ذاته ، إلى كيفية العمل ، وإلى قيمته الذاتية . فالأمر الإلهي يسوغ في نظرنا بتطابقه مع تلك الحقيقة الموضوعية ، وهو بهذا التّطابق يستحوذ على قبولنا ؛ كما أنّه يقيم على هذا القبول سلطانه الأخلاقي . بيد أنّ هذا الطّابع العميق الّذي يؤلف جوهر العدل ، والخير في ذاته لا يتسنى
--> ( 1 ) المائدة : 100 . ( 2 ) الأعراف : 26 . ( 3 ) البقرة : 269 . ( 4 ) الأعراف : 28 . ( 5 ) النّحل : 90 .